يسمى الأعشى "صنّاجة العرب" والصناجة هو الذي يكثر الضرب في الصنج ، والصنج هو هذا الذي في الصورة .... وسمي الأعشى بذلك لأن شعره يرن في الأذن كما يرن الصنج ، ولست تحتاج أن أقول لك لماذا اختاروا الصنج على غيره.
يقول ابن سلام في كتابه "طبقات فحول الشعراء" عن الأعشى :
( وليس له مع ذلك بيت نادر على أفواه الناس ).
إذا قرأنا هذا الكلام ووضعناه بجانب مكانة الأعشى بين الشعراء فلابد أن نسأل : مالذي جعل للأعشى هذه المكانة إذا لم يكن له
أبيات نادرة على أفواه الناس ؟
ولنأخذ مثلا من معلقته "ودّع هريرة" ، يقول الأعشى مفضلا رائحة صاحبته :
ما روضة من رياض الحزن معشبة
خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شَرِقٌ
مُؤَزَّرٌ بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
هذه الأبيات في الذروة من الشعر ، لكن عيبها - إن صح أن نقول عنه ذلك - أنها قيلت في أكثر من بيت. فإذا كنتُ أنا - المحب للشعر والمعجب بهذه الأبيات - يصعب علي استحضارها ، فكيف بالأخرين ؟
ونأتي للأبيات التي سأشرحها
ونأتي للأبيات التي سأشرحها
يقول الأعشى مشبها صاحبته ب"دُرة" :
كأنها درة زهراء أخرجها
غواص دارين يخشى دونها الغرقا
قد رامها حججا مذ طر شاربه
حتى تسعسع يرجوها وقد خفقا
لا النفس تُوئسه منها فيتركها
وقد رأى الرّغب رأي العين فاحترقا
ومارد من غواة الجن يحرسها
ذو نيقة مستعد دونها ترقا
ليست له غفلة عنها يطيف بها
يخشى عليها سرى السارين والسرقا
حرصا عليها لو أن النفس طاوعها
منه الضمير لبالى اليم أو غرقا
في حوم لجة آذي له حدب
من رامها فارقته النفس فاعتلقا
من نالها نال خلدا لا انقطاع له
وما تمنى فأضحى ناعما أنقا
تلك التي كلفتك النفس تأملها
وما تعلقت إلا الحين والحرقا
هذه الأبيات من قصيدة للأعشى مطلعها :
نام الخلي وبت الليل مرتفقا
أرعى النجوم عميدا مُثْبتا أرِقا
1- يشبه الأعشى صاحبته بدرّة - والدرة هي اللؤلؤة الكبيرة - أخرجها غواص من دارين - ودارين منطقة مشهورة باللؤلؤ - بعد أن خشي على نفسه الغرق.
2- وهذه الدرة بدأ يطلبها هذا الغواص منذ أن طر شاربه - أي بدأ يظهر - إلى أن تسعسع - أي كبر - وخفق - أي اضطرب - في مشيه لكبر سنه .
3- ونفسه لا تجعله ييأس من السعي في طلبها فيتركها. وقد رأى الغواص الرغب - أي المرغوب وهي الدرة - فاحترق شوقا لها ولو أنه لم يرها لربما أيس منها.
4- وهذه الدرة لها مارد من غواة الجن يحرسها، وهذا المارد ذو نيقة - اي حذق - في الحراسة واستعداد، وهذه الدرة دونها ترق - أي درج - ينزل فيه من أراد أخذ الدرة للوصول لها وهذا بلا شك أصعب في الوصول للدرة.
5- وهذا المارد ليس يغفل عن الدرة فهو يطيف بها لأنه يخشى عليها من السارين والسراق.
6- والغواص حريص على الدرة ولو طاوعته نفسه لتحدى البحر وسيغرق من يتحدى البحر.
7- يغرق في حوم لجة آذي له حدب - أي في مجتمع أمواج متراكبه فوق بعضها - من قصده فارقته نفسه وعلقته المنية.
8- ومن نال الدرة فقد نال الخلد الذي لا انقطاع له ونال مايتمنى واضحى ناعما أنقا - أي مسرورا-.
9- وعن البيت الأخير يقول محمد محمد حسين - الذي استقيت شرحي من شرحه - : ويستيقظ الأعشى من حلمه الطويل وقد بلغ به نهايته ، فيثوب لنفسه ليقول : تلك هي صاحبتك..كلفتك نفسك السعي وراءها، تتعلل بالأمال وماتعلقت إلا ( الحيْن ) الهلاك و
( الحرقا ) النار.
انتهى الشرح...
وهذا الطول في هذه الأبيات الجميلة هو الذي منع الأعشى من أن يكون له أبيات نادرة على أفواه الناس ، على أن هناك بيت نادر للأعشى على أفواه الناس ولا أدري هل نسيه ابن سلام أو أن البيت لم يكن نادرا في زمنه ؟
والبيت هو :
كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها *** فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ
يا ليتها وجدت بي ما وجدت بها
وكان حب ووجد دام فاتفقا
