الثلاثاء، 29 مايو 2018

شيء من إبداع الجاحظ 2

ذكرنا في التدوينة السابقة ما نظنه دعا ابن العميد ليقول أن كتب الجاحظ تعلم العقل ، وهو أن الجاحظ يكثر في كتبه من التعليل لما يلاحظه ومن ذكر الأدلة العقلية على دعاواه.

 ونقل نسيت أن اذكره في التدوينة الأولى وهو قول الجاحظ في الجزء الأول من كتاب البيان والتبيين: ( والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما، وبابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان، وإنما يظهران بالتقاء الشفتين ). 
فهو يعلل ذكر الأطفال لماما وبابا كأول ما يتفوهون به. 

نأتي لإبداع آخر لأبي عثمان ، وهو دقة ملاحظته وجمال وصفه. وسأدلل بثلاث نقولات من كتابه "الحيوان". 

النقل الأول : قال الجاحظ يصف الهرة إذا أرادت أن تقضي حاجتها : ( ومتى أرادت - أي القطة - ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدار فتبحثه، حتى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثم غطته من ذلك التراب، ثم تشممت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتى تعلم أنها قد أخفت المرئي والمشموم جميعا، فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السطح، حتى تبلغ في الحفر المبلغ، ومن ستر ذلك المجهود ).
الدقة في هذا المشهد هو ما كتبته بالأحمر ، لأن غير دقيق الملاحظة لا يلاحظ القطة وهي تتشمم. 

النقل الثاني : قال الجاحظ ( وربما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرة ولا له بالذر عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، وسحبها وجرها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنها ).
وقول الجاحظ "الممدود" يدل على قلم يحمل قدرة على الوصف الجميل. 


النقل الثالث : قال الجاحظ ( وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدو من الغنم؛ لأنها في الأصل موصولة بكفايات الناس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك لخرجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها، فإذا لم يكن لها سلاح ولا حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل، كانت مثل الدجاجة، فإن أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ترتفع إلى رف، وربما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك).
نعم ، إذا دنا المغرب فزع الدجاج إلى المكان المرتفع. 


اخترت هذه المشاهد لأننا جميعا شاهدها ويشاهدها ، فيسهل عليك عندئذ معرفة دقة الجاحظ وجمال وصفه. 

فمن يباري أبا عثمان وبيانه ، ومن يحاول للجاحظ تشبيها.




الأحد، 13 مايو 2018

حمائم في نيويورك



ل سيد قطب

قلتُ: ويحكن ! أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ أفي نيويورك ذلك المعترك الصاخب اللجب، الذي لا يهدأ لحظة ولا يطمئن. أفي نيويورك هذه مكان لسربكن الآمن الوديع ؟ ..وتلفتنَ يمنةً ويسرة بعيونهن الوديعة الشفيفة ، ولم يفقهن عني شيئًا ، ولكني فقهت عنهن ووعيت!
كن سربًا من الحمائم، قد هبطن على "الطوار" العريض الواسع في احدى الطرقات العامة غير عابئات بتلك الضجّة اللاجبة من حولهن، تلك السيارات بحركتها الصاخبة، ذلك الزحام المتماوج المتلاطم كأنه القيامة، تلك الجموع الراكضة كأنما تجذبها رائحة الفريسة، تلك الخطوات المحمومة كأنما تلهبها السياط، تلك النظرات الجامدة القاسية كأنها نظرة الجلاد، الحادة اللامعة ببريق الطمع والرغبة والاشتهاء..
كن غير عابئات بذلك كله، كأنما يقلن لذلك القطيع الهائج المحموم: شيئًا من الدعة أيها القطيع، شيئًا من الأمن والطمأنينة والهوادة، شيئًا من التأمل في معنى الحياة، وجمال الحياة، وموسيقى الحياة، وغايات الحياة الاعلى من القضم والهضم والتشهي والالتهام.
وقضيت عامًا في تلك 
«الورشة» الضخمة التي يسمونها «العالم الجديد» وتنقلت من نيويورك إلى واشنطن، إلى دنفر إلى جريلي. ولم ألمح في خلال هذه الفترة الطويلة من الزمان، ولا في خلال تلك المساحة الشاسعة من
المكان - إلا في مرات نادرة - وجهًا إنسانيًا يعبر عن معنى الإنسان، أو نظرة إنسانية تطل منها معاني الإنسانية..
ولكنني وجدت القطيع في كل مكان، القطيع الهائج الهائم، لا يعرف له وجهة غير اللذة والمال. لذة الجسد الغريزة
التي ترتوي حتى تهمد، وتهمد ريثما تستيقظ في سعار.. ورغبة المال التي تنفق الحياة كلها، خيرها وشرها، ليلها ونهارها في سبيل 
«الدولار» .
وكلما رأيت القطيع الهائج تذكرت: تذكرت ذلك السرب الآمن، سرب الحمائم الوادع في نيويورك، الذي لا يعبأ الضجة والزحام وكلما راودني اليأس من البشرية التي تتمثل آخر أطوارها في ذلك «العالم الجديد» انساب إلى نفسي الأمل الراضي، وأنا أذكر سرب الحمائم الآمن في جوار ذلك القطيع.
جميل أن يكون في الحياة عمل وكدح جميل أن يكون في الحياة لذة ومتاع، ولكن على أن لا يستغرق كلاهما الحياة، على أن تبقى فترة للتأمل الهادئ، والتطلع إلى آفاق أعلى من اللذة والمتاع.. ولكن «العالم الجديد» لا يعرف الحياة، إلا كدحًا في العمل المادي حتى اللغوب، وارتشافًا اللذة الحسيّة حتى الهمود..
حتى التفكير يكاد يكون جهدًا عضليًا، فهو جهد غايته تحسين المصنع وترقية المعمل، وإدارة العمل وتنظيم الاشغال!
والحب. الحب الذي يطلق الطاقات الإنسانية جميعًا... إنه هنا في أمريكا جسد يتشهى جسدًا، وحيوان جائع يتشهى حيوانًا، ولا وقت للأشواق الروحية التي ترف بها النفوس، ولا للأماني المرفرفة المجّنحة، ولا حتى للغزال الذي يسبق الخطوة الأخيرة. إنه هنا يبدأ من تلك الخطوة الأخيرة، وينتهي عند الخطوة الأولى. حيوان لحيوان، وجسد لجسد، ومتاع لمتاع.
وتغدق الطبيعة على هذا البلد خيراتها بلا حساب ، حتى الجمال تهبط منه مختلف الاصناف والأشكال... جمال في الطبيعة ،وجمال في الوجوه ، وجمال في الأجسام... ولكن أحدًا لا يفقه هذا الجمال ولا يحسّه، إلا كما تحسّه البهائم والوحوش في الغابات ! وتطلع عليك الفتاة كأنها الجّنية المسحورة أو الحوراء الهاربة ، ولكن ما أن تقترب إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها، مجردة من كل إشعاع ، وحتى تشم رائحة الجسد المحترق ، لا نكهة العطر الفواح..ثم تنتهي إلى لحم. مجرد لحم. لحم شهي حقًا، ولكنه لحم على كل حال...
رأيت أفلامًا سينمائية تمثل حياة الغابة، ورأيت هنا عيانًا حياة الأمريكان ، وكلما رأيت هنا الذكران منطلقة على الإناث، والإناث منطلقة على الذكران، زوجين زوجين، أو جماعات جماعات، أغمضت عيني فترة، فلم إجد إلا الغابة الواسعة الهائجة، تركض فيها الذكران والإناث... تلك النظرات الجائعة، تلك الاجسام المحمومة، ذلك المرح الحيواني.. كل شيء هنا ككل شيء هناك. إلا أن الغابة لم تزدحم بعد بالمصانع والمعامل، وبالمدارس والحانات.
ذلك هو الفارق البارز الوحيد.. أجمل جسم هنا هو الذي يمثل الحيوان الفارِه، وأجمل نظرة هنا هي التي يطل منها التحرّق والجوع !وليس وراء ذلك شيء مما يتميز به الإنسان عن الحيوان..
وحينما يقضي الإنسان ساعات حياته كلها في عمل مضن شاق، وجهته الدولار! وحينما تضيق آفاق الحياة كلها فلا تتسع إلا لوجه الدولار.. عندئذ لا يبقى للأشواق الروحية مجال، ولا للأحاسيس الشاعرة المجنَّحة مكان، فماذا يبقى من الحب بعد ذلك إلا الأجسام وما يتعلق بالأجسام؟
وهذه المدينة الصغيرة 
«جريلي» التي أقيم فيها الآن، إنها جميلة جميلة، حتى ليخيل إلى الإنسان أنها انبتت نباتًا في روضة حالمة. كل بيت كأنه نبتة في حديقة، وكل شارع كأنه طريق في روضة، وتشهد صاحب كل بيت وصاحبته يقضيان وقت فراغهما في عمل مضن شاق لسقي الحديقة الخاصة وتشذيبها، ولكن هذا هو كل شيء...
لي ستة أشهر لم أشهد مرة واحدة فرادًا أو أسرة جالسة تستمتع بذلك الجمال البارع الحالم، ولا سيما في ليالي الصيف التي ترف فيها النسمات كالأحلام، المهم هو تنمية الحديقة وتنظيمها، بنفس الطريقة التي ينظم بها صاحب المتجر متجره، وصاحب المصنع مصنعه، ولا شيء وراء ذلك من تذوق الجمال، والاستمتاع بالجمال...إنها آلية التنظيم والترتيب، لا روح التذوق والاستجمال...
في كل مكان ضحكات ، وفي كل محلة مرح ، وفي كل زاوية أحضان وقبلات، ولكنك لا تلمح في وجه واحد معنى الرضاء، ولا تحس في قلب واحد روح الاطمئنان.
الحياة قلق دائم، وعمل دائم، واشتهاء دائم، وارتواء دائم، وضجيج واندفاع على الدوام.
وبين الحين والحين أرى أسراب الحمائم، هنا في جريلي، كذلك السرب الذي رأيته أول مرة في نيويورك...
وفي كل مرة أتوجه إلى السرب الوادع بنفس السؤال : أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ ...وفي كل مرة أتلقى نفس الجواب: نظرات وادعة من تلك العيون الوادعة . إنهن لا يفقهن عني شيئًا، ولكني أفقه وأعي جواب ذلك السؤال!...
 

السبت، 12 مايو 2018

شيء من إبداع الجاحظ

أفضل ما قيل في كتب الجاحظ  أنها :( تعلم العقل أولا والأدب ثانيا ). 
لا يهمنا أن نعرف قائل هذه العبارة ولا السياق الذي قيلت فيه حتى نعرف صحة المقولة من عدمها ، فعندنا جملة من كتب الجاحظ تؤكد صحة هذه العبارة.
 ولكن لنطمئن أكثر فإننا نحتاج أن نعرف قائلها وسياقها الذي قيلت فيه.

 ذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء عند ترجمته للجاحظ : ( وحدث أبو القاسم السيرافي قال: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل فقصّر رجل بالجاحظ وأزرى عليه، وحلم الأستاذ عنه، فلما خرج قلت له: سكتّ أيها الأستاذ عن هذا الجاهل في قوله، مع عادتك بالردّ على أمثاله فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه صار إنسانا، يا أبا القاسم كتب الجاحظ تعلّم العقل أولا والأدب ثانيا ).

فالقائل هو ابن العميد ، الذي ختمت الكتابه به كما يقال. 
أما السياق فإن ابن العميد لم يكن عندما قالها في جدال مع أحد حتى نقول أن حرارة الجدال دفعته دفعا لقولها فعندئذ لانطمئن إلى أنه قالها بملء قناعته. لكنه قالها وهو في هدوء وسكون وهذا مايجعل لها قيمة. 
وشي آخر زاد من قيمة هذه العبارة وهو أن ابن العميد قالها لتلميذه ولتلميذ له مكانة في قلبه بدليل قوله "يا أبا القاسم" في أثناء كلامه ، والكلام الذي يقوله الإنسان لمن يحب ، يكون أكثر صدقا. 

نأتي لجملة ابن العميد عن كتب الجاحظ " تعلم العقل أولا والأدب ثانيا " ونسأل ماذا عن كتب الآخرين ؟ وكيف تعلم كتب الجاحظ العقل ؟ 


وجواب السؤال الأول ماقاله المسعودي في مروج الذهب بعد أن قال أنه لا يعرف من الرواة ولا أهل العلم أكثر كتبا من الجاحظ : ( وقد كان أبو الحسن المدائني كثير الكتب ، إلا أن أبو الحسن المدائني كان يؤدي ما سمع ). 
وما قاله عن المدائني نستطيع سحبه على كثير من كتاب ذلك العصر. 

أما كيف تعلم كتب الجاحظ العقل ، 
فسأنقل بعض ما أظن أنه جعل ابن العميد يقوله عن كتب الجاحظ.

قال الجاحظ : (وينبغي لمن كتب ...... أن يعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه . فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة !! لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع ، فأراه السكون أن الصواب في الإقلال ، فلما ضرب تحرك دمه ، فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه ، فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار ، وكذلك صاحب القلم. فما أكثر ما يبتدئ الكاتب وهو يريد مقدار سطرين ، فيكتب عشرة). 
وما كُتب بالأزرق هو الذي يعلم العقل ، لأنه تعليل لهذه الملاحظة  التي ذكرها والتعليل هو الذي يعلم العقل. 

وقال الجاحظ : ( وأنشدني ديسم  قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:
وخلة اللفظ في الياءات إن ذكرت 
 كخلة اللفظ في اللامات والألف
وخصلة الراء فيها غير خافية
 فاعرف مواقعها في القول والصحف

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، والحاجة إليها أشد. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد).
وما كتب بالأزرق هو الذي يعلم العقل ، وكيف لا يعلمك العقل من لا يرضى أن يعطيك المعلومة مجردة من دليلها ، بل يعطيك دليلها في يدك متى ما أردت استخدامه. 

ونص آخر  ، قال الجاحظ بعد أن ذكر أن عدد البنات أكثر من البنين ( وإن كنت تريد أن تتعرف فضل - الفضل في العدد - البنات على البنين ، وفضل إناث الحيوانات على ذكورها ، فابدأ فخذ أربعين ذراعا عن يمينك ، وأربعين ذراعا عن يسارك ، وأربعين خلفك ، وأربعين أمامك ، ثم عد الرجال والنساء حتى تعرف ماقلنا ) . 
وهذا النص مشابه لفكرة النص السابق لكني أوردته لأقول أن الجاحظ لا يكتفي بإعطائك الدليل بل يتفنن فيه ، فكان بإمكانه أن يقول "وإن كنت تريد أن تتعرف فضل  البنات على البنين ، وفضل إناث الحيوانات على ذكورها فعد الرجال والنساء حتى تعرف ماقلنا". 

هذه بعض النصوص التي التي أظن أنها دعت ابن العميد لأن يقول ما يقول ، وكتاب "العثمانية" للجاحظ يتضح فيه ماقاله ابن العميد أشد الوضوح.