الأحد، 12 نوفمبر 2017

شرح أبيات للأعشى



يسمى الأعشى  "صنّاجة العرب" والصناجة هو الذي يكثر الضرب في الصنج ، والصنج هو هذا الذي في الصورة .... وسمي الأعشى بذلك لأن شعره يرن في الأذن كما يرن الصنج ، ولست تحتاج أن أقول لك لماذا اختاروا الصنج على غيره.





يقول ابن سلام في كتابه "طبقات فحول الشعراء" عن الأعشى :
( وليس له مع ذلك بيت نادر على أفواه الناس ). 

إذا قرأنا هذا الكلام ووضعناه بجانب مكانة الأعشى بين الشعراء فلابد أن نسأل : مالذي جعل للأعشى هذه المكانة إذا لم يكن له 
أبيات نادرة على أفواه الناس ؟

الجواب : أن شاعرية الأعشى لا تختزل في بيت واحد ، إنما تتجلى وتظهر في عدة أبيات.


ولنأخذ مثلا من معلقته "ودّع هريرة" ، يقول الأعشى مفضلا رائحة صاحبته : 

ما روضة  من  رياض  الحزن  معشبة   
خضراء   جاد   عليها   مسبل    هطل
يضاحك  الشمس  منها  كوكب   شَرِقٌ
 مُؤَزَّرٌ     بعميم      النبت      مكتهل
يوما   بأطيب    منها    نشر    رائحة 
ولا   بأحسن   منها   إذ   دنا   الأصل


هذه الأبيات في الذروة من الشعر ، لكن عيبها - إن صح أن نقول عنه ذلك - أنها قيلت في أكثر من بيت. فإذا كنتُ أنا - المحب للشعر والمعجب بهذه الأبيات - يصعب علي استحضارها ، فكيف بالأخرين ؟ 

ونأتي للأبيات التي سأشرحها

يقول الأعشى مشبها صاحبته ب"دُرة" :


كأنها     درة     زهراء     أخرجها
غواص دارين يخشى  دونها  الغرقا
  
قد  رامها  حججا  مذ  طر   شاربه
حتى  تسعسع  يرجوها  وقد   خفقا
  
لا  النفس  تُوئسه  منها   فيتركها
وقد رأى الرّغب رأي  العين  فاحترقا
  
ومارد  من  غواة  الجن   يحرسها 
ذو   نيقة   مستعد   دونها    ترقا
  
ليست له  غفلة  عنها  يطيف  بها
يخشى عليها سرى السارين والسرقا
  
حرصا عليها لو أن النفس طاوعها
منه الضمير  لبالى  اليم  أو  غرقا
  
في  حوم  لجة   آذي   له   حدب
من  رامها  فارقته  النفس  فاعتلقا
  
من نالها نال  خلدا  لا  انقطاع  له
وما  تمنى  فأضحى   ناعما   أنقا
  
تلك  التي  كلفتك   النفس   تأملها
وما  تعلقت   إلا   الحين   والحرقا



هذه الأبيات من قصيدة للأعشى مطلعها : 

نام   الخلي   وبت   الليل   مرتفقا
أرعى  النجوم  عميدا   مُثْبتا   أرِقا

1- يشبه الأعشى صاحبته بدرّة - والدرة هي اللؤلؤة الكبيرة - أخرجها غواص من دارين - ودارين منطقة مشهورة باللؤلؤ - بعد أن خشي على نفسه الغرق. 
2- وهذه الدرة بدأ يطلبها هذا الغواص منذ أن طر شاربه - أي بدأ يظهر - إلى أن تسعسع - أي كبر - وخفق - أي اضطرب - في مشيه لكبر سنه .
3- ونفسه لا تجعله ييأس من السعي في طلبها فيتركها. وقد رأى الغواص الرغب - أي المرغوب وهي الدرة - فاحترق شوقا لها ولو أنه لم يرها لربما أيس منها.
4- وهذه الدرة لها مارد من غواة الجن يحرسها، وهذا المارد ذو نيقة - اي حذق - في الحراسة واستعداد، وهذه الدرة دونها ترق - أي درج - ينزل فيه من أراد أخذ الدرة للوصول لها وهذا بلا شك أصعب في الوصول للدرة.
5- وهذا المارد ليس يغفل عن الدرة فهو يطيف بها لأنه يخشى عليها من السارين والسراق.
6- والغواص حريص على الدرة ولو طاوعته نفسه لتحدى البحر وسيغرق من يتحدى البحر.
7- يغرق  في  حوم لجة آذي له حدب - أي في مجتمع أمواج متراكبه فوق بعضها -  من قصده  فارقته نفسه وعلقته المنية. 
8- ومن نال الدرة فقد نال الخلد الذي لا انقطاع له ونال مايتمنى واضحى ناعما أنقا - أي مسرورا-. 
9- وعن البيت الأخير يقول محمد محمد حسين - الذي استقيت شرحي من شرحه - : ويستيقظ الأعشى من حلمه الطويل وقد بلغ به نهايته ، فيثوب لنفسه ليقول : تلك هي صاحبتك..كلفتك نفسك السعي وراءها، تتعلل بالأمال وماتعلقت إلا ( الحيْن ) الهلاك و
( الحرقا ) النار.

انتهى الشرح...

وهذا الطول في هذه الأبيات الجميلة هو الذي منع الأعشى من أن يكون له أبيات نادرة على أفواه الناس ، على أن هناك بيت نادر للأعشى على أفواه الناس ولا أدري هل نسيه ابن سلام أو أن البيت لم يكن نادرا في زمنه ؟ 
والبيت هو : 
كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها *** فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ

وبيت آخر في نفس القصيدة لو علم به الأدباء لأصبح نادرا وهو : 

يا ليتها وجدت بي  ما  وجدت  بها   
وكان   حب   ووجد   دام    فاتفقا





الخميس، 2 نوفمبر 2017

عناوين كتب القصيمي

لا أحد يفوق عبدالله القصيمي في اختيار عناوين الكتب ، ومن يتأمل فيها سيجد فنانا وذوقا عاليا. 

والأليق بعناوينه أن تكون عناوين لمجسمات فنية أو رسمات ، لأنها مستغنية بنفسها ، فلا يحتاج العنوان إلى كلام  يوضح أو أمثلة تشرح. 

ولو أخذنا مثلا عنوانين وهما : 
1- شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام 
2- العرب ظاهرة صوتية 

لوجدنا العنوان الأول لو قرأه الأزهري لجاء في ذهنه كل ما رمي به الأزهرين من الابتداع في الدين مما ذكرها القصيمي أو لم يذكرها. ولن تفعل صفحات الكتاب بأقوى مما فعله العنوان. 

ولوجدنا العنوان الثاني يستدعي في ذهن العربي عندما يقرأه كل ما مر عليه مما قاله العرب ولم يفعلوه وحتى لو كان هذا بعد تاريخ كتابة الكتاب ، ولن يكون بوسع أي كاتب أن يستودع كتابه كل الأمثلة التي مرت وتمر على العربي والتي تثبت أنهم ظاهرة صوتية. 


ولو استدعينا الرياضيات لقالت أن 
العرب ظاهرة صوتية = 16 
وصفحات الكتاب = 10 + 6 و 8 + 8 و 2 * 8 و 15 +1 و 32/2 و 7.5 + 8.5 ........ 
إذا فالعلميات الرياضية التي ناتجها 16 لن تنتهي. 



نأتي لثلاث عناوين أخرى من كتبه وهي 
1- هذا الكون ماضميره 
2- كبرياء التأريخ في مأزق 
3- يا كل العالم لماذا أتيت ؟ 

ستجد أنها تحمل من الكبرياء أعلى درجاتها ومن الاعتداد بالنفس أقصى مستوياته. 
 لأن العناوين تجعل الكون والتأريخ والعالم كأنها لُعب أطفال ، ومن يجعل هذه الأسماء الكبيرة كلعب سيزرع في نفس قارئها الكبر، وأنه ليس هناك شيء مقدس وأنه ليس هناك شي كبير. وهذا مايريده القصيمي أن يقوله للقارئ. 


وأخيرا ، نأتي للعنوان الأجمل  وهو " أيها العقل من رآك "

وأذكر أني قرأت رد على تغريدة غبية وكان الرد هو " أيها العقل من رآك" 
والعنوان الذي يرد على الغباء هو عنوان جميل. 






الجمعة، 15 سبتمبر 2017

كورنيش الخبر




  كنت إلى آخر لحظة أنوي جعل عنوان هذه التدوينة "الزواج" ، لكني تسائلت - قبل أن اكتب "الزواج" في خانة العنوان -عن الذي ينتظره قارئ التدوينة  من كاتب مغمور أو شبه مجهول عن موضوع عام جدا مثل "الزواج" ؟ ولو قلت "الزواج عند العرب" لكان أكثر جاذبية ، لكني وللأسف موضوعي ليس عن الزواج عند العرب. 
العناوين العامة عندما تصدر من شخصية مغمورة أو شبه مجهولة ، لا تَلقى  رواج ولا تُوجِد رغبة عند القراء لقرائتها. 

لو وجدتُ كتاب في المكتبة عنوانه "الحب" أو "الكرم" ، فلا شي سيدفعني إلى شرائه إلا إذا كان هناك أمر آخر غير العنوان ، كمؤلف الكتاب مثلا أو كقِدم الكتاب. 

وتعالوا نحاول معا أن نختار عنوان لكتاب ألّفه طالب مبتعث في لندن ، ذكر في الكتاب بعض ما شاهده في لندن ، والمواقف التي حصلت له ، وتجربته في السكن مع العائلة لتعلم اللغة الانجليزية ، وتجربته في الدراسة في جامعة لندن. 

فماذا تقترحون عنوان لهذا الكتاب ؟
أيام في لندن ؟ 
ذكريات لندن ؟ 
ليالي لندن ؟ 

لا أظن أن أحدا يستطيع أن يختار العنوان مالم يعرف من هو المؤلف وما اللغة التي يكتب بها وكذلك البلد الذي يكتب له المؤلف. 

لنقل أن اللغة التي سيكتب بها الكتاب هي العربية والبلد هي السعودية ، فهل تصلح هذه العناوين:
أيام في لندن ؟ 
ذكريات لندن ؟ 
ليالي لندن ؟ 

لا شك أن هذه العناوين تصلح أن تكون عناوين لكتابنا لو أنه أُلف قبل ربع قرن ، لا يهمنا من يكون الكاتب حينذاك ، لأنه لا توجد مؤلفات كثيرة عن هذا الموضوع ولأن لندن - معنى لا لفظا - مجهولة للكثير من الناس في ذلك الوقت.

لكن ، ماذا لو كان هذا الكتاب ٍسيؤلف هذا العام ؟ 
فهل تنفع هذه العناوين : 
أيام في لندن ؟ 
ذكريات لندن ؟ 
ليالي لندن ؟  

هنا نرجع للمؤلف ، من هو ؟  هل هو كاتب معروف ؟ يريد الناس أن يعرفوا رأيه عن لندن لا أن يعرّفهم على لندن ، لأنهم قد يعرفون لندن أكثر منه.  أو هل المؤلف ذو منصب رفيع ؟ يريد الناس أن يُطلعهم على ما لايستطيعوا أن يروه ؟ كمنصب السفير مثلا   

هنا يستطيع الكاتب أن يعنون كتابه بمثل هذه العناوين :
أيام في لندن  
ذكريات لندن  
ليالي لندن

لكن ماذا لو كان الكاتب مغمورا ؟ 
هنا يحتاج إلى أن يحيد - مكرها - عن العناوين التي في الأعلى  لأنها اُبتذلت إلى عناوين أخرى ، والأخرى إما أن تكون أقل شهرة أو تكون غير جامعة وغير شاملة.

أقل شهرة مثل : 
1/ ذكريات مدينة الضباب.
2/ أيام حول البق بن. 
فالبق بن و مدينة الضباب ليست بشهرة "لندن".

أو غير جامعة وغير شاملة مثل : 
1/ في الهايد بارك.
2/ حدثنا مستر ويليام. 
3/ 5 سنوات في جامعة لندن. 
هذه العناوين قد تمثل فصل أو فصول من الكتاب لكنها ليست كل الكتاب فهي إذا ليست شاملة جامعة وفي تسمية بعض سور القران نجد هذه الطريقة كسورتي البقرة والكهف. 

قلت قبل قليل إن لم يكن الكاتب معروفا أو ذو منصب يخول له أن يرى مالا يرى الناس، فله أن يعنون الكتاب بعنوان مبتذل ك "أيام في لندن". 
ثم قلت فإن كان مغمورا فعليه أن يعدل "مكرها" عن العنوان المبتذل. 

لماذا مكرها ؟ 
لأن الكاتب المغمور لن يُشترى كتابه لأجله هو بل لأجل الموضوع  الذي يكتبه فإن كان الموضوع مكرر فلا حاجة للناس به ، فيضطر هنا أن يعدل عن اسم مشهور "لندن" إلى اسم أقل شهرة "مدينة الضباب" ، لكن لماذا يحتاج أن يرمز إلى لندن في العنوان ؟ ، ماذا لو عنون الكتاب ب "حدثنا مستر ويليام" ؟ 
في هذه الحالة سيفقد الشريحة المهمة من القراء وهم الذين يدخلون المكتبة لأجل أن يقرأوا عن لندن ، وبالطبع "حدثنا مستر ويليام" ليس له علاقة بلندن فلذلك لن يصلوا إلى الكتاب. لكن "حدثنا مستر ويليام" سيكون أكثر جاذبية. 




وهنا تحتاج أن تقرر ، هل تختارعنوان  يفقد كل ارتباط له بلندن فتخسر من يريد أن يقرأ عن لندن وتكسب جاذبية الأسم ؟ أو أن تبقي على علاقة بين العنوان ولندن ؟ 


يعتمد على الكتاب فإذا كانت علاقته بلندن قوية ككثرة ذكر معالم لندن فيه ، فلا تجعل عنوانه يفقد ارتباطه بلندن. 



في الختام ، ماعلاقة عنوان التدوينة بموضوع التدوينة ؟ 

في التدوينة القادمة
  


الجمعة، 18 أغسطس 2017

حسام الجهني - رحمه الله -






قبل ما يقارب العام حدث حادث في طريق أبو حدرية ، توفي على إثره شاب ، وبعد يومين توفي صاحبه الذي كان معه متأثرا بالحادث ، وصاحبه هو صاحبي وصديقي / حسام الجهني رحمه الله.

وبعد ثلاث قصائد  كتبتها في حسام بعد وفاته ، كتبت قصيدة رابعة مطلعها : 
إي وربي لا زال للذكرى بقية  
 أأنا انساك ؟ مازال في عمري بقية 
كلما أنوار ذكرك غابت 
 أشرقت شمس ذكراك البهية


عرفت حسام في نهاية السنة الأولى لي في الجامعة من خلال رسالة ارسلها لي في الفيسبوك ، ولا اذكر ماذا كان محتوى الرسالة ، لكن بعد الرسالة اصبحت الصداقة تزداد وتزداد إلى أن وصلت مرحلة لا يقطعها إلا الموت.


حسام رحمه الله كان له فضل كبير على حياتي الجامعية فهو الذي عبد لي طريق الجامعة لأنه كان في نفس التخصص ويسبقني بدفعة ، لذلك كنت معتمدا عليه في كل شي يخص أمور الجامعة ، اختيار المواد واختيار الدكاترة والخطة الدراسية وأشياء كثيرة. 

أول مايعجبك من حسام هي اجتماعيته القوية وصداقاته الكثيرة حتى أننا نستطيع أن نقول عن الانسان "الانسان حسام بطبعه" وليس "الانسان مدني بطبعه" ، فحسام يملك الجرأة المؤدبة التي تسعفه للتعرف على الناس ومصاحبتهم.


حسام رحمه الله ، كان قارئا وكاتبا ومترجما وشاعرا ، وإن كان في الدرجة الأولى من السلم في هذه الأربع ، إلا أن جمعها أمر يستحق الإعجاب. 

كان يبيع فترة في الكتب ، وقد قال لي أنه باع 100 نسخة من كتاب "العظماء المائة".وأيضا هو الذي انشئ  حساب KFUPMs في تطبيق السناب شات ، وأشياء كثيرة لست بسبيل ذكرها هنا. المهم أنه كان حركة دائمة ونشاط لايتوقف. 




هذه مراجعة كتبها حسام رحمه الله لكتاب "حياة الرافعي" : 

 ددت لو أنّ لكل عظيم تلميذ يكتب حياته كما فعل محمد سعيد العَريان للرافعي الأديب، فقد كان يحتل من قلب الرافعي كل منازله، فتارةً يكون الطالب النجيب، وتارة يكون الصاحب القريب ، وتارة مسجِّلَ المقالات والمكاتيب،،،، 

( وكان يَعرِفُ من حياة الرافعي ما ينبغي له أن يعرفه، ليؤلِّف هذا السفر اللذيذ. )

وأحسَبُهُ نَظَرَ في أدباء عصره فقال: أيُّكم يستحق مني الجهد؟ أو: أيكم أستحق أنا ؟. قلَّب الأستاذ محمد تِلْكُم الشخصيات واحدة واحدة، فلم يَجِد لا أندَر ولا أغلى ولا أعسرَ منالاً من الرافعيّ، فقال في نفسه، هل تُطيق ذلك يا محمد، فكاد أن يبحث عن غيره، وأن ينكص على عقبيه، وذلك أنّ للرّافعي أنَفَةَ وكبرياء، إلا أن القَدَر ابتسم له، ومن الأقدار ما هو مضحكٌ والله، فَجَعَلَهُ من أخَصِّ الخاصّة وأقرب المُقَرَّبين للرافعي.

أقول: أحسبُهُ مذ صَحِبَ الرافعي وهو يبيّت النيّة في كتابة هذا القرطاس، وقد كتب فأبدع، فأظهرَ لنا الرافعيّ الذي يكتب، لا الرافعيَّ الكاتبَ، أظهر الرافعي الذي يعيش في طنطا، لا الذي يشكُلُ أحْرُفَهُ الذهبيّة على وَرَقٍ في زواياها. 

وقد أثبت في كتابه هذا أسلوباً سهلاً لا يُمَلّ، يسيراً تستلطفه كلُّ نفسٍ، ما يجعلك تستمتع وأنت تقرأ أدب الرافعي، ويجعلك تتمشّى في حدائقِ ذلك الكاتب، ومعك خريطته( وهو هذا الكتاب)، ما يجعلك تشعر بأنه لايزال هناك أناس يعشيشوا ليكتبوا، لا أن يكتبوا ليعيشوا ، ولست هنا لأُطيل الهَرْطقَة، ولكني حزِنتُ على أديبٍ ما تذكر الأمةُ من أدبه إلا "وحي القلم"، وكفا به من كتاب، غير أنّ للرافعي من الكتب ما هو أفضل ما يكون في بابه الذي كُتِبَ فيه.


وأَخْلُصُ مما سبق أني أنستُ بكتابِ محمد سعيد العَريان، ولو قدّر الله للرافعي أن يكتب سيرته ما أظنُّه يكون كما كتب العَريان من الوضوح والشفافية، لأن الرافعي ثلاثةٌ، محب لما يَرى، وغيور لما يُنتَهَكُ من محارم الدين، وسلّاخ يشوي لحم من يكره على سَفّوده، فليس واحد من هؤلاء يستحق أن يكتب حياة الرافعي، ولكن محمد سعيد العَريان أبدع وأجاد في ٣٦٩ صفحة. 
هذا ما حاك في صدري من كلام عن أديب العصر "مصطفى صادق الرافعيّ"، وأسأل الله أن يتغمد روحه بواسع رحمته، وأن يجمعنا وإياه في دار كرامته  )

وهناك مقال لبيل قيتس ترجمه حسام ، بحثت عنه فلم أجده. 

وأخيرا أقول حسام رجل بكل ماتحمله الكلمة من معنى.


فرحمك الله وجمعني بك. 





هذه قصيدتي التي كتبتها في حسام رحمه الله ، فإن كانت مكسورة الوزن فعاطفتها ستجبر كسورها. 

ضاقت الدموع بعيني و رق
من الهموم قلبي و دق
يا حسام ، ووقع موتك أقوى 
على القلوب من صدع وشق 
يا حسام ، ووقع موتك أقوى 
على المريض من طول الأرق
يا حسام ، ووقع موتك أقوى 
على الكريم من قيد و رق 
كيف انساك وروحك روحي 
وقلبك قلبي وذكراك خفق 
كيف انسى من فضله طوقني 
وأياديه على عنقي خنق 
يا حسام ليس ما أجزيك به 
إلا الدعا في الدجى والغسق 
فعسى الله بكوثره يجمعنا 
هذا ما أسعى بصبر وشوق 





الاثنين، 20 مارس 2017

كاتب الشيطان


لم تكن تلك الكلمة التي ألقاها ذلك الرجل على صاحبنا ساخرا منه في إحدى مجالس العلم إلا شرارة جعلت منه كاتبا للشيطان. 
لم يكن يتوقع ذلك الرجل ولا أي رجل أن تحرق هذه الشرارة كل ذرات الخير فيه. لأن صاحبنا كان هادئا ، ساكنا ، قد بسطت طيور القطا أجنحتها عليه. 
لكن الشيطان كان ينفخ في الشرارة كلما خلا صاحبنا بنفسه ويسكب وقوده إذا حلت ساعات السحر. ولم يزل به حتى أحرق كل ذرة من ذرات الخير فيه وحتى احرق انسانيته . ولم يزل به حتى أظهر شيطانه . 
فغدا صاحبنا  كاتبا للشيطان ، يكتب مايملي عليه شيطانه ويتحدث بلسانه. 
فبدأ كاتبنا رحلته في الانتقام من ذلك الرجل ، وساعده في تلك الرحلة تلك التفاصيل الدقيقة التي يعرفها عن ذلك الرجل. وساعده أيضا فضاء الانترنت الذي يجعل من شاء يكتب ماشاء. 
فاصبح كاتبنا يتتبع زلات الرجل وعثراته ، ويظهر معايبه وسقطاته ، ويبرز مساوئه وأخطائه.
يسهر كاتبنا اليالي ليبحث في بطون الكتب أو يزوّق المقالات ليرسل سهامه على أديم ذلك الرجل ،  ولم يك يرمي أي سهم بل كان ينثر كنانته ويعجم عيدانها ثم يطلق أمرها عودا وأصلبها مكسرا. وكان كاتبنا يجد برد كل سهم على كبده. وكان يتمنى لو اصاب مقاتل ذلك الرجل حتى تشتفى غلته. 
ولم يك كاتبنا صاحب قلم سيال ، لكن روح الانتقام فعلت فعلها واسالت قلمه. وروح الانتقام لو حلت في صخرة لأحالتها إلى طين لازب. 
واستمرهذا الانتقام سنوات وسنوات ، ولم يصل كاتبنا إلى مبتغاه لأن ذلك الرجل كان كالجبل ، ثابتا لا يتزحزح ، وكالسيل ساريا لا يلتفت.  وهذا ماجعل كاتبنا يشتد انتقامه ويرسل سهامه ليلا ونهارا وسرا وجهارا. لكن سهامه تطيش في كل مرة يرسلها مماجعله يغلي غليان المرجل. حتى ظهر ذلك للناس ولاحظوه ، فصار هدوئه ضجيجا وسكونه حركه وطار القطا. فاصبح يرسل سهامه لكل رجل لا ذلك الرجل فحسب. ثم صار يرسل سهامه لكل فج وصوب. ثم صار يرسل سهامه إلى الوجود كله. وأخيرا أصابت سهامه مقاتلا .......لكنها كانت مقاتله. 



السبت، 28 يناير 2017

في محكمة الجن


*هذا مقال نشر في مجلة الرسالة  للدكاترة زكي مبارك 


مع الاعتراف بأن القلم في يد الكاتب نعمة لا يماثلها شيء من نفائس الوجود، فأنا كثير الضجر مما يجني علي قلمي، لأنه يتيح الفرص لمن يسرهم إيذائي، ولأنه يجعلني دائماً على بال الناس، ويا ويح من يشغل به الناس!
زرت مرةً إحدى المدارس الثانوية فوجدت ناظرها رجلاً مجهولاً من الدوائر الأدبية والاجتماعية، مع أن المرء لا يصل إلى مثل مركزه إلا بعد ظهور وبروز في الأدب وفي المجتمع، فقلت في نفسي: (هذا هو الرجل السعيد. إن منصبه يضارع منصبي من الوجهة الرسمية؛ وقد يكون راتبه أضخم من راتبي، لأنه قديم العهد بخدمة وزارة المعارف. ولكنه أسعد مني، لأنه بعيد من المجتمع، ومجهول من الجرائد والمجلات، فلا يتحدث عنه متحدث، ولا يتزيد عليه قارئ لا يفهم أسرار البيان)
ثم قلت: (أين حظي من حظ هذه الزميل؟ إن مقالاتي تؤخذ منها قصاصات لتقدم إلى وزير المعارف، فأنا على بال الوزير من يوم إلى يوم، أو من أسبوع إلى أسبوع. ومعنى هذه أني أقدم سريرتي قبل السؤال عما فيها من مجاهيل)
وعلى من يقع اللوم؟ يقع علي وحدي، فمن حق أي وزير أن يتعقب ما يصدر عن مساعديه من أفكار وآراء، ومن واجبه أن يناقشهم فيما يستوجب النقاش
والآفة الفظيعة أني مكثر، وقلما يسلم المكثار من العثار. يضاف إلى هذا قلمي يجول في شجون من الأحاديث تمس طوائف من المعاني الشوائك، فأنا أعرض نفسي لمتاعب لن تنقضي إلا يوم أتوب من صحبة القلم، ولن أتوب!
هل أصدق كل الصدق فأذكر أني شعرت بدمعة تساور جفوني يوم زرت ذلك الناظر السعيد؟
لقد تحزنت وتوجعت، لأني عرفت أن القلم لا يغنيني في حياتي كما يغني أمثالي في الأمم التي يعد قراؤها بالملايين، فلم يبق إلا أن أكون من الموظفين!
أين أنا مما أريد؟
أنا أريد النص على أن قلمي ساق إلى متاعب أخطر مما كنت أعاني، فقد نقلني من معاد الإنس إلى معاداة الجن، ونعوذ بالله من كيد الشياطين!
وخلاصة القصة أني تحدثت عن (جنية) سامرتها ليلة بالإسكندرية مسامرة الحبيب للمحبوب، وأنا أجهل أن حديثي عنها ستكون له عقابيل. . . فماذا وقع بعد ذلك الحديث؟
أطفأت النور بالغرفة التي تطل على الصحراء، لأستوحي القمر والنجوم في هدوء وسكون، ثم راعني أن أرى الغرفة تضئ، وأن أرى خلائق لم يكن لي بمثلها عهد، فهتفت: أتوا داري فقلت: منون أنتم؟
فقالوا: الجن، قلت: عموا مساء
- محكمة!
- أية محكمة؟
- محكمة الجن!
- وفي هذه الأنوار؟
- هذه أنوار لا يراها عابر، فلا عليك!
- وهذه الوجوه؟
- هي وجوه لا يراها غيرك
- وماذا تريدون؟
- نريد محاسبتك على ما وقع منك
- وماذا وقع مني؟
- هل نسيت ما نشرت بمجلة الرسالة
- عماذا؟
- عن الجنية المحبوبة!
- ذلك خيال في خيال
- ونحن نحاسب على الخيال، لأنه صورة مصغرة من الحقيقة الواقعية، فأنت محاسب على اقتراف الإثم بمغازلة جنية عذراء.
- من حديثي بمجلة الرسالة عرفت ما اقترفت؟
- عرفنا ما اقترفت قبل أن تنشر حديثك - وكيف؟
- لأننا نراكم ولا تروننا
- وما الذي منع من عقد المحكمة قبل نشر الحديث؟
- الإثم عندنا يحتاج إلى برهان مكتوب
- وحديثي هو البرهان؟
- نعم، ثم نعم!!
- أتسمعون كلمة الحق؟
- قد نسمع!
- يجب أن تسمعوا، فاسمعوا. أنتم تقفون من الحياة موقف المتفرجين، والمتفرج يرى الممثل ولا يراه الممثل، فالممثل آمر والمتفرج مطيع، أو هو كاتب والمتفرج قارئ
- أتقول إن الإنس أفضل من الجن
- هو ذلك، وإلا فأين نصيبكم من خدمة الآداب والفنون؟
- نحن الذين أقمنا عرش سليمان
- وأين عرش سليمان؟
- بقيت منه المعاني
- هي معان إنسية لا جنية، لأنها متصلة بالناس لا بالجان
- ونحن الذين ألهمنا شعراء الجاهلية
- وهم لهذا جهلاء!
- أنت تحاكم، فما هذه الغطرسة العاتية؟
- أنتم تحاكمونني، يا جماعة الجن، ولم يكن فيكم من يتسم بشجاعتي؟
- وما شجاعتك؟
- أنتم تعرفون شجاعتي، فما تنكرت ولا تلثمت كما تتنكرون وتتلثمون، ولا سمح ضميري بأن أرى الناس ولا يرونني لأني أحب أن تكون أعمالي في العلانية لا في الخفاء
- والجنية التي سرقتها منا؟
- لم أسرقها منكم، ولن أردها إليكم - أطع محكمة الجن
- وهل أطعت محكمة الإنس حتى أطيع محكمة الجن؟
- سنؤذيك إن تماديت في العصيان
- لا يستطيع مخلوق أن يؤذيني، إن حفظت الأدب مع الله في الترفق بنفسي
- حرر الجنية من حبك
- لن أحررها من حبي، فما أرضى بأن يضيع نصيبها من شرف الوجود
- لا نفهم شيئاً مما تقول
- أنا أقول بأن الإنس أفضل من الجن، لأن الإنس مجاهدون والجن رقباء، والمجاهد أفضل من الرقيب
- والجنية المخطوفة؟
- لن تكون لكم ولو عقدتم ألف محكمة
- وإن اغتصبناها منك؟
- لن تغتصبوها مني، بعد أن سمعت أشعاري، وهي أشعار نظمتها بدم القلب
- أطع محكمة الجن
- لن أطيع
- وإذا حكمنا عليك؟
- سيعييكم التنفيذ!
- وفي هذه المعمعة برزت الجنية وهي تصرخ: أنا الجانية على نفسي، إن كان من الجناية أن أخرج إلى الأنوار بعد طول القرار في غياهب الظلمات
- ماذا تقولين يا حمقاء؟
- معشوقي إنسي، يا سعادة الرئيس
- والإنس أفضل منا، يا شقية؟
- نعم، لأن أعمالهم في العلانية
- وأعمالنا؟
- أعمالنا في طيات الخفاء - لست منا ولا نحن منك
- أنا من معشوقي، ومعشوقي مني، فاذهبوا عني
- ونهزم أمام الناس
- كما ينهزمون حيناً أمام الجان، والجروح قصاص
ثم انفضت محكمة الجن بدون تعنت يحوج إلى الاستعانة بالمحامين فعرفت أن الجن لا يزالون على الفطرة الأولية في إدراك الحقائق البديهية، وعرفت أيضاً أنهم يخافون من الإنس، وكان معروفاً أنهم يخيفون ولا يخافون
ذهبت الأنوار المجلوبة بحضور الجن، وعادت الغرفة إلى الضوء المرسل من القمر في لطف، وبقيت الجنية بجانبي وهي لا تكاد تصدق أنها نجت من تعقب أولئك العماليق
- هل صرنا في أمان؟
- أنت صرت في أمان
- وأنت؟
- ألم تعلمي أني أقيم فوق جبل من البارود؟
- أتخاف وأنا معك؟
- أنا أخاف لأنك معي، فقومك لن يسكتوا عني، وقد يستنصرون بإخوانهم في الشام والعراق
- المعروف عندنا أن شياطين الشام والعراق من أصدقائك
- ومن هنا أخاف
- تخاف من أصدقائك؟
- وممن أخاف؟ هل أخاف من أعدائي وأنا أملك البطش بهم حين أريد؟
وانتقل الحوار إلى شؤون متصلة بالجمال فسألتني الجنية عما يستهويني من جمالها فقلت:
أنا أحب فيك هذه الصوت الناعم المبحوح، وأشتهي أن تتكلمي في كل وقت. . أشتهي أن تكون حياتك حديثاً في حديث، لا تسكتي، فما رأيت أندى على قلبي وروحي من بغامك الذي يشبه وسوسة الحبب عند اضطرام الكؤوس. تكلمي لأرى نعيم الفردوس ممثلاً في نبرات هن أعذب وأطيب من همسات الأماني في الصدر الحزين هذا الصوت يزلزل قلبي، وأنا أسمعه وإن اعتصمت بالصمت
- كيف؟ كيف؟
- هويتك الأصيلة هي هذا الصوت، فأنت كالبلبل، وهوية البلبل في الحلق، والله يزيد في الحلق ما يشاء
- لم تجب عن سؤالي!
- قلت إن هويتك في الصوت، وأنت دائماً في بالي، فأنا أسمعك في كل وقت، وإن غبت عني
- إلى هذا الحد يفتنك صوتي؟
- والى أبعد من جميع الحدود
- كنت تقول إني أفتنك باللون
- متى؟
- ليلة بتنا بالإسكندرية، هل نسيت!
- لونك يفتن، لأنه ينطق، وهو يتموج تموج النبرات العذاب. إن في قدميك خطوطاً نواطق، في قدميك، في قدميك، فماذا أقول في المرمر الناطق وهو صدرك الجميل؟
- زدني، زدني
- زيديني فتوناً لأزيدك جنوناً
- ماذا تريد مني بعد أن خاصمت فيك قومي؟
- أريد أن تتكلمي في جميع اللحظات
- وأين أجد ما أقوله في كل وقت؟
- تقرئين علي ما في المكتبة من مؤلفات أدبية وعلمية ولغوية، بالعربية والفرنسية والعبرية، والأمر سهل، فإن محصول مكتبتي لا يزيد عن عشرة آلاف، وسنعبرها ورقةً ورقة في أقل من عشر سنين
- إلى هذا الحد تحبني؟
- والى أبعد مما أحب العباقرة من الإنس والجن في جميع الأزمان
- أنا أرتعد من الخوف - ومم تخافين؟
- أخاف منك، فدعني أخرج لألحق بقومي
- لن تعرفيهم بعد اليوم، ولن يكون لأحد غيري عليك سلطان، فليجمع الجن جموعهم ليلقوني في ساحة القتال، ولتتمردي ما شاء لك الحمق والطيش، فلن يكون لك في غير هذا البيت مكان
- وتحميني من طغيانك؟
- إذا اعترفت علانية بأن سلطان الجمال أضعف من سلطان البيان

الاثنين، 16 يناير 2017

اسرق ثم فاوض - يوميات لص

( محاكاة للأديب الكبير زكي مبارك ) 

كنت اتجول في مزرعة ، فإذا بغصن زيتون يتدلى من شجرة ،  فاغراني لمعة ثمره بالتقاطه واكله ، فتغافلت عمال المزعة ، ومسكت زيتونة بسبابتي وإبهامي وأدرتها كما يدار المفتاح 

لكن الزيتونة لم تنقطع 

فسحبتها وسحبتها حتى انقطعت 

فاهتزت الشجرة وانتبه عمال المزرعة !

فرآني أحدهم فصاح بأعلى صوته يستنجد زملاءه : لصوص لصوص في المزرعة !!

فقلت له : قتلك الله ، إنما أنا لص واحد !

فما سمع العمال استغاثته حتى طاروا إلي

فقبضت على الزيتونة بيد من حديد وهربت 

فلحقوني 

فلما تعبت من الركض اتجهت إلى آخر المزرعة عند التبن المتراكب بعضه فوق بعض  فقفزت عاليا ونزلت كالصاروخ وغصت داخل التبن


ومكثت حتى هدأت انفاسي وهم يبحثون عني 

ومادلهم علي إلا حمار صغير كان يأكل من التبن

حمار يدلهم علي ! يا فضيحتي بين اللصوص!

فبدأ العمال بإزالة التبن فلما أزالوا  ثلاثة أمتار ظهرت لهم قدمي ، ففرحوا بها وجروها - جرهم الله - فقلت لهم مغضبا : ترفقوا لا رفق الله بكم  ، حتى اللصوص لا يرتاحون في هذه المزرعة !

فاخرجوني وقد ظهر جزء من عورتي فقلت : غطوني اعمى الله أبصاركم 

فحملوني على اكتافهم إلى صاحب المزرعة مستبشرين وكأنهم حملوا فرعون أو ابليس!

وبينما هم يمشون تعبوا مني فأنزلوني  وحملني عمال آخرون ، وبينما أنا محمول على الأكتاف هب هواء باردا شعرت معه بأني أنا صاحب المزرعة ، فلما اقبلنا على صاحب المزرعة قال لي : مالذي جاء بك إلى المزرعة  ؟ 
فقلت : مالذي جاء بك أنت؟!

فضربني العمال فانتبهت 

فأعاد السؤال
فقلت : نترزق الله 

فقال : وما رزقك الله من مزرعتي ؟
فقلت : زيتونة 


فقال : هاتها 
فرفضت 
فحاول العمال أخذها 
لكني قابض عليها بيد من حديد ، فلم يستطيعوا 


فتلطف معي صاحب المزرعة فقال : 
اعطنا نصفها وخذ الباقي 

ففكرت لوهلة ثم وافقت وقلت هاتوا السكين 

فقطعت نصفها واكلته 

ولما أردت قطع النواة إلى نصفين رفض صاحب المزرعة وهاج فهاج معه عماله 


فصرخت وقلت لي النصف ولكم النصف 

فقالوا : سنعطيك نصف زيتونتنا واعطنا النواة 

ففكرت ثم قلت : لا 
ففاوضوني طويلا  

فلم  أرض إلا بثلاثة أرباع الزيتونة 

فوافقوا على مضض

فاكلت الثلاثة أرباع  ورميت الباقي والنواة لهم وخرجت من المزرعة سعيدا لأني ظفرت بسبعة أثمان زيتونة 

ولم أندم على الثُمن الباقي الذي ابقيته لهم لأني تركته  لله 
ولم أندم على تفريطي بالنواة لأني ضامن أن ثمارها سيأخذها ابني كما أخذها أبوه.