ذكرنا في التدوينة السابقة ما نظنه دعا ابن العميد ليقول أن كتب الجاحظ تعلم العقل ، وهو أن الجاحظ يكثر في كتبه من التعليل لما يلاحظه ومن ذكر الأدلة العقلية على دعاواه.
ونقل نسيت أن اذكره في التدوينة الأولى وهو قول الجاحظ في الجزء الأول من كتاب البيان والتبيين: ( والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما، وبابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان، وإنما يظهران بالتقاء الشفتين ).
فهو يعلل ذكر الأطفال لماما وبابا كأول ما يتفوهون به.
نأتي لإبداع آخر لأبي عثمان ، وهو دقة ملاحظته وجمال وصفه. وسأدلل بثلاث نقولات من كتابه "الحيوان".
النقل الأول : قال الجاحظ يصف الهرة إذا أرادت أن تقضي حاجتها : ( ومتى أرادت - أي القطة - ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدار فتبحثه، حتى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثم غطته من ذلك التراب، ثم تشممت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتى تعلم أنها قد أخفت المرئي والمشموم جميعا، فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السطح، حتى تبلغ في الحفر المبلغ، ومن ستر ذلك المجهود ).
الدقة في هذا المشهد هو ما كتبته بالأحمر ، لأن غير دقيق الملاحظة لا يلاحظ القطة وهي تتشمم.
النقل الثاني : قال الجاحظ ( وربما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرة ولا له بالذر عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، وسحبها وجرها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنها ).
وقول الجاحظ "الممدود" يدل على قلم يحمل قدرة على الوصف الجميل.
النقل الثالث : قال الجاحظ ( وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدو من الغنم؛ لأنها في الأصل موصولة بكفايات الناس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك لخرجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها، فإذا لم يكن لها سلاح ولا حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل، كانت مثل الدجاجة، فإن أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ترتفع إلى رف، وربما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك).
نعم ، إذا دنا المغرب فزع الدجاج إلى المكان المرتفع.
اخترت هذه المشاهد لأننا جميعا شاهدها ويشاهدها ، فيسهل عليك عندئذ معرفة دقة الجاحظ وجمال وصفه.
فمن يباري أبا عثمان وبيانه ، ومن يحاول للجاحظ تشبيها.
فهو يعلل ذكر الأطفال لماما وبابا كأول ما يتفوهون به.
نأتي لإبداع آخر لأبي عثمان ، وهو دقة ملاحظته وجمال وصفه. وسأدلل بثلاث نقولات من كتابه "الحيوان".
النقل الأول : قال الجاحظ يصف الهرة إذا أرادت أن تقضي حاجتها : ( ومتى أرادت - أي القطة - ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدار فتبحثه، حتى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثم غطته من ذلك التراب، ثم تشممت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتى تعلم أنها قد أخفت المرئي والمشموم جميعا، فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السطح، حتى تبلغ في الحفر المبلغ، ومن ستر ذلك المجهود ).
الدقة في هذا المشهد هو ما كتبته بالأحمر ، لأن غير دقيق الملاحظة لا يلاحظ القطة وهي تتشمم.
النقل الثاني : قال الجاحظ ( وربما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرة ولا له بالذر عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، وسحبها وجرها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنها ).
وقول الجاحظ "الممدود" يدل على قلم يحمل قدرة على الوصف الجميل.
النقل الثالث : قال الجاحظ ( وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدو من الغنم؛ لأنها في الأصل موصولة بكفايات الناس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك لخرجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها، فإذا لم يكن لها سلاح ولا حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل، كانت مثل الدجاجة، فإن أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ترتفع إلى رف، وربما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك).
نعم ، إذا دنا المغرب فزع الدجاج إلى المكان المرتفع.
اخترت هذه المشاهد لأننا جميعا شاهدها ويشاهدها ، فيسهل عليك عندئذ معرفة دقة الجاحظ وجمال وصفه.
فمن يباري أبا عثمان وبيانه ، ومن يحاول للجاحظ تشبيها.
