ل سيد قطب
قلتُ: ويحكن ! أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ أفي نيويورك ذلك المعترك الصاخب اللجب، الذي لا يهدأ لحظة ولا يطمئن. أفي نيويورك هذه مكان لسربكن الآمن الوديع ؟ ..وتلفتنَ يمنةً ويسرة بعيونهن الوديعة الشفيفة ، ولم يفقهن عني شيئًا ، ولكني فقهت عنهن ووعيت!
كن سربًا من الحمائم، قد هبطن على "الطوار" العريض الواسع في احدى الطرقات العامة غير عابئات بتلك الضجّة اللاجبة من حولهن، تلك السيارات بحركتها الصاخبة، ذلك الزحام المتماوج المتلاطم كأنه القيامة، تلك الجموع الراكضة كأنما تجذبها رائحة الفريسة، تلك الخطوات المحمومة كأنما تلهبها السياط، تلك النظرات الجامدة القاسية كأنها نظرة الجلاد، الحادة اللامعة ببريق الطمع والرغبة والاشتهاء..
كن غير عابئات بذلك كله، كأنما يقلن لذلك القطيع الهائج المحموم: شيئًا من الدعة أيها القطيع، شيئًا من الأمن والطمأنينة والهوادة، شيئًا من التأمل في معنى الحياة، وجمال الحياة، وموسيقى الحياة، وغايات الحياة الاعلى من القضم والهضم والتشهي والالتهام.
وقضيت عامًا في تلك «الورشة» الضخمة التي يسمونها «العالم الجديد» وتنقلت من نيويورك إلى واشنطن، إلى دنفر إلى جريلي. ولم ألمح في خلال هذه الفترة الطويلة من الزمان، ولا في خلال تلك المساحة الشاسعة من
المكان - إلا في مرات نادرة - وجهًا إنسانيًا يعبر عن معنى الإنسان، أو نظرة إنسانية تطل منها معاني الإنسانية..
ولكنني وجدت القطيع في كل مكان، القطيع الهائج الهائم، لا يعرف له وجهة غير اللذة والمال. لذة الجسد الغريزة
التي ترتوي حتى تهمد، وتهمد ريثما تستيقظ في سعار.. ورغبة المال التي تنفق الحياة كلها، خيرها وشرها، ليلها ونهارها في سبيل «الدولار» .
وكلما رأيت القطيع الهائج تذكرت: تذكرت ذلك السرب الآمن، سرب الحمائم الوادع في نيويورك، الذي لا يعبأ الضجة والزحام وكلما راودني اليأس من البشرية التي تتمثل آخر أطوارها في ذلك «العالم الجديد» انساب إلى نفسي الأمل الراضي، وأنا أذكر سرب الحمائم الآمن في جوار ذلك القطيع.
جميل أن يكون في الحياة عمل وكدح جميل أن يكون في الحياة لذة ومتاع، ولكن على أن لا يستغرق كلاهما الحياة، على أن تبقى فترة للتأمل الهادئ، والتطلع إلى آفاق أعلى من اللذة والمتاع.. ولكن «العالم الجديد» لا يعرف الحياة، إلا كدحًا في العمل المادي حتى اللغوب، وارتشافًا اللذة الحسيّة حتى الهمود..
حتى التفكير يكاد يكون جهدًا عضليًا، فهو جهد غايته تحسين المصنع وترقية المعمل، وإدارة العمل وتنظيم الاشغال!
والحب. الحب الذي يطلق الطاقات الإنسانية جميعًا... إنه هنا في أمريكا جسد يتشهى جسدًا، وحيوان جائع يتشهى حيوانًا، ولا وقت للأشواق الروحية التي ترف بها النفوس، ولا للأماني المرفرفة المجّنحة، ولا حتى للغزال الذي يسبق الخطوة الأخيرة. إنه هنا يبدأ من تلك الخطوة الأخيرة، وينتهي عند الخطوة الأولى. حيوان لحيوان، وجسد لجسد، ومتاع لمتاع.
وتغدق الطبيعة على هذا البلد خيراتها بلا حساب ، حتى الجمال تهبط منه مختلف الاصناف والأشكال... جمال في الطبيعة ،وجمال في الوجوه ، وجمال في الأجسام... ولكن أحدًا لا يفقه هذا الجمال ولا يحسّه، إلا كما تحسّه البهائم والوحوش في الغابات ! وتطلع عليك الفتاة كأنها الجّنية المسحورة أو الحوراء الهاربة ، ولكن ما أن تقترب إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها، مجردة من كل إشعاع ، وحتى تشم رائحة الجسد المحترق ، لا نكهة العطر الفواح..ثم تنتهي إلى لحم. مجرد لحم. لحم شهي حقًا، ولكنه لحم على كل حال...
رأيت أفلامًا سينمائية تمثل حياة الغابة، ورأيت هنا عيانًا حياة الأمريكان ، وكلما رأيت هنا الذكران منطلقة على الإناث، والإناث منطلقة على الذكران، زوجين زوجين، أو جماعات جماعات، أغمضت عيني فترة، فلم إجد إلا الغابة الواسعة الهائجة، تركض فيها الذكران والإناث... تلك النظرات الجائعة، تلك الاجسام المحمومة، ذلك المرح الحيواني.. كل شيء هنا ككل شيء هناك. إلا أن الغابة لم تزدحم بعد بالمصانع والمعامل، وبالمدارس والحانات.
ذلك هو الفارق البارز الوحيد.. أجمل جسم هنا هو الذي يمثل الحيوان الفارِه، وأجمل نظرة هنا هي التي يطل منها التحرّق والجوع !وليس وراء ذلك شيء مما يتميز به الإنسان عن الحيوان..
وحينما يقضي الإنسان ساعات حياته كلها في عمل مضن شاق، وجهته الدولار! وحينما تضيق آفاق الحياة كلها فلا تتسع إلا لوجه الدولار.. عندئذ لا يبقى للأشواق الروحية مجال، ولا للأحاسيس الشاعرة المجنَّحة مكان، فماذا يبقى من الحب بعد ذلك إلا الأجسام وما يتعلق بالأجسام؟
وهذه المدينة الصغيرة «جريلي» التي أقيم فيها الآن، إنها جميلة جميلة، حتى ليخيل إلى الإنسان أنها انبتت نباتًا في روضة حالمة. كل بيت كأنه نبتة في حديقة، وكل شارع كأنه طريق في روضة، وتشهد صاحب كل بيت وصاحبته يقضيان وقت فراغهما في عمل مضن شاق لسقي الحديقة الخاصة وتشذيبها، ولكن هذا هو كل شيء...
لي ستة أشهر لم أشهد مرة واحدة فرادًا أو أسرة جالسة تستمتع بذلك الجمال البارع الحالم، ولا سيما في ليالي الصيف التي ترف فيها النسمات كالأحلام، المهم هو تنمية الحديقة وتنظيمها، بنفس الطريقة التي ينظم بها صاحب المتجر متجره، وصاحب المصنع مصنعه، ولا شيء وراء ذلك من تذوق الجمال، والاستمتاع بالجمال...إنها آلية التنظيم والترتيب، لا روح التذوق والاستجمال...
في كل مكان ضحكات ، وفي كل محلة مرح ، وفي كل زاوية أحضان وقبلات، ولكنك لا تلمح في وجه واحد معنى الرضاء، ولا تحس في قلب واحد روح الاطمئنان.
الحياة قلق دائم، وعمل دائم، واشتهاء دائم، وارتواء دائم، وضجيج واندفاع على الدوام.
وبين الحين والحين أرى أسراب الحمائم، هنا في جريلي، كذلك السرب الذي رأيته أول مرة في نيويورك...
وفي كل مرة أتوجه إلى السرب الوادع بنفس السؤال : أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ ...وفي كل مرة أتلقى نفس الجواب: نظرات وادعة من تلك العيون الوادعة . إنهن لا يفقهن عني شيئًا، ولكني أفقه وأعي جواب ذلك السؤال!...
كن سربًا من الحمائم، قد هبطن على "الطوار" العريض الواسع في احدى الطرقات العامة غير عابئات بتلك الضجّة اللاجبة من حولهن، تلك السيارات بحركتها الصاخبة، ذلك الزحام المتماوج المتلاطم كأنه القيامة، تلك الجموع الراكضة كأنما تجذبها رائحة الفريسة، تلك الخطوات المحمومة كأنما تلهبها السياط، تلك النظرات الجامدة القاسية كأنها نظرة الجلاد، الحادة اللامعة ببريق الطمع والرغبة والاشتهاء..
كن غير عابئات بذلك كله، كأنما يقلن لذلك القطيع الهائج المحموم: شيئًا من الدعة أيها القطيع، شيئًا من الأمن والطمأنينة والهوادة، شيئًا من التأمل في معنى الحياة، وجمال الحياة، وموسيقى الحياة، وغايات الحياة الاعلى من القضم والهضم والتشهي والالتهام.
وقضيت عامًا في تلك «الورشة» الضخمة التي يسمونها «العالم الجديد» وتنقلت من نيويورك إلى واشنطن، إلى دنفر إلى جريلي. ولم ألمح في خلال هذه الفترة الطويلة من الزمان، ولا في خلال تلك المساحة الشاسعة من
المكان - إلا في مرات نادرة - وجهًا إنسانيًا يعبر عن معنى الإنسان، أو نظرة إنسانية تطل منها معاني الإنسانية..
ولكنني وجدت القطيع في كل مكان، القطيع الهائج الهائم، لا يعرف له وجهة غير اللذة والمال. لذة الجسد الغريزة
التي ترتوي حتى تهمد، وتهمد ريثما تستيقظ في سعار.. ورغبة المال التي تنفق الحياة كلها، خيرها وشرها، ليلها ونهارها في سبيل «الدولار» .
وكلما رأيت القطيع الهائج تذكرت: تذكرت ذلك السرب الآمن، سرب الحمائم الوادع في نيويورك، الذي لا يعبأ الضجة والزحام وكلما راودني اليأس من البشرية التي تتمثل آخر أطوارها في ذلك «العالم الجديد» انساب إلى نفسي الأمل الراضي، وأنا أذكر سرب الحمائم الآمن في جوار ذلك القطيع.
جميل أن يكون في الحياة عمل وكدح جميل أن يكون في الحياة لذة ومتاع، ولكن على أن لا يستغرق كلاهما الحياة، على أن تبقى فترة للتأمل الهادئ، والتطلع إلى آفاق أعلى من اللذة والمتاع.. ولكن «العالم الجديد» لا يعرف الحياة، إلا كدحًا في العمل المادي حتى اللغوب، وارتشافًا اللذة الحسيّة حتى الهمود..
حتى التفكير يكاد يكون جهدًا عضليًا، فهو جهد غايته تحسين المصنع وترقية المعمل، وإدارة العمل وتنظيم الاشغال!
والحب. الحب الذي يطلق الطاقات الإنسانية جميعًا... إنه هنا في أمريكا جسد يتشهى جسدًا، وحيوان جائع يتشهى حيوانًا، ولا وقت للأشواق الروحية التي ترف بها النفوس، ولا للأماني المرفرفة المجّنحة، ولا حتى للغزال الذي يسبق الخطوة الأخيرة. إنه هنا يبدأ من تلك الخطوة الأخيرة، وينتهي عند الخطوة الأولى. حيوان لحيوان، وجسد لجسد، ومتاع لمتاع.
وتغدق الطبيعة على هذا البلد خيراتها بلا حساب ، حتى الجمال تهبط منه مختلف الاصناف والأشكال... جمال في الطبيعة ،وجمال في الوجوه ، وجمال في الأجسام... ولكن أحدًا لا يفقه هذا الجمال ولا يحسّه، إلا كما تحسّه البهائم والوحوش في الغابات ! وتطلع عليك الفتاة كأنها الجّنية المسحورة أو الحوراء الهاربة ، ولكن ما أن تقترب إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها، مجردة من كل إشعاع ، وحتى تشم رائحة الجسد المحترق ، لا نكهة العطر الفواح..ثم تنتهي إلى لحم. مجرد لحم. لحم شهي حقًا، ولكنه لحم على كل حال...
رأيت أفلامًا سينمائية تمثل حياة الغابة، ورأيت هنا عيانًا حياة الأمريكان ، وكلما رأيت هنا الذكران منطلقة على الإناث، والإناث منطلقة على الذكران، زوجين زوجين، أو جماعات جماعات، أغمضت عيني فترة، فلم إجد إلا الغابة الواسعة الهائجة، تركض فيها الذكران والإناث... تلك النظرات الجائعة، تلك الاجسام المحمومة، ذلك المرح الحيواني.. كل شيء هنا ككل شيء هناك. إلا أن الغابة لم تزدحم بعد بالمصانع والمعامل، وبالمدارس والحانات.
ذلك هو الفارق البارز الوحيد.. أجمل جسم هنا هو الذي يمثل الحيوان الفارِه، وأجمل نظرة هنا هي التي يطل منها التحرّق والجوع !وليس وراء ذلك شيء مما يتميز به الإنسان عن الحيوان..
وحينما يقضي الإنسان ساعات حياته كلها في عمل مضن شاق، وجهته الدولار! وحينما تضيق آفاق الحياة كلها فلا تتسع إلا لوجه الدولار.. عندئذ لا يبقى للأشواق الروحية مجال، ولا للأحاسيس الشاعرة المجنَّحة مكان، فماذا يبقى من الحب بعد ذلك إلا الأجسام وما يتعلق بالأجسام؟
وهذه المدينة الصغيرة «جريلي» التي أقيم فيها الآن، إنها جميلة جميلة، حتى ليخيل إلى الإنسان أنها انبتت نباتًا في روضة حالمة. كل بيت كأنه نبتة في حديقة، وكل شارع كأنه طريق في روضة، وتشهد صاحب كل بيت وصاحبته يقضيان وقت فراغهما في عمل مضن شاق لسقي الحديقة الخاصة وتشذيبها، ولكن هذا هو كل شيء...
لي ستة أشهر لم أشهد مرة واحدة فرادًا أو أسرة جالسة تستمتع بذلك الجمال البارع الحالم، ولا سيما في ليالي الصيف التي ترف فيها النسمات كالأحلام، المهم هو تنمية الحديقة وتنظيمها، بنفس الطريقة التي ينظم بها صاحب المتجر متجره، وصاحب المصنع مصنعه، ولا شيء وراء ذلك من تذوق الجمال، والاستمتاع بالجمال...إنها آلية التنظيم والترتيب، لا روح التذوق والاستجمال...
في كل مكان ضحكات ، وفي كل محلة مرح ، وفي كل زاوية أحضان وقبلات، ولكنك لا تلمح في وجه واحد معنى الرضاء، ولا تحس في قلب واحد روح الاطمئنان.
الحياة قلق دائم، وعمل دائم، واشتهاء دائم، وارتواء دائم، وضجيج واندفاع على الدوام.
وبين الحين والحين أرى أسراب الحمائم، هنا في جريلي، كذلك السرب الذي رأيته أول مرة في نيويورك...
وفي كل مرة أتوجه إلى السرب الوادع بنفس السؤال : أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ ...وفي كل مرة أتلقى نفس الجواب: نظرات وادعة من تلك العيون الوادعة . إنهن لا يفقهن عني شيئًا، ولكني أفقه وأعي جواب ذلك السؤال!...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق